إخوان الصفاء
236
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وقال آخر : لا يفهم معاني الموسيقار ، ولطيف عبارته عن أسرار الغيوب إلّا النفوس الشريفة الصّافية من الشوائب الطبيعيّة ، والبريئة من الشّهوات البهيمية . وقال آخر : ان الباري ، جلّ ثناؤه ، لما ربط النفوس الجزئيّة بالأجساد الحيوانيّة ، ركّب في جبلتها الشهوات الجسميّة ، ومكّنها من تناول اللذات الجرمانيّة في أيام الصّبا ، ثم سلبها عنها في أيام الشيخوخة ، وزهّدها فيها ، كيما يدلّها على الملاذّ والسرور والنعيم الذي في عالمها الروحاني ، ويرغّبها فيها ؛ فإذا سمعتم نغمات الموسيقار ، فتأمّلوا إشاراته نحو عالم النفوس . وقال آخر : ان النفوس الناطقة إذا صفت عن الشهوات الجسمانية ، وزهدت في الملاذّ الطبيعيّة ، وانجلت عنها الأصدية الهيولانيّة ، ترنمت بالألحان الحزينة ، وتذكرت عالمها الروحاني الشريف العالي ، وتشوّقت نحوه ، فإذا سمعت الطبيعة ذلك اللحن تعرّضت للنفس بزينة أشكالها ، ورونق أصباغها ، كيما تردّها إليها ؛ فاحذروا من مكر الطبيعة ان لا تقعوا في شبكتها . وقال آخر : ان السمع والبصر هما من أفضل الحواسّ الخمس وأشرفها التي وهب الباري ، جلّ ثناؤه ، للحيوان ، ولكن أرى البصر أفضل ، لأنه كالنهار ، والسمع كالليل ، وقال آخر : لا بل السمع أفضل من البصر ، لأن البصر يذهب في طلب محسوساته ، ويخدمها حتى يدركها مثل العبيد ؛ والسمع يحمل إليه محسوساته حتى تخدمه مثل الملوك . وقال آخر : ان البصر لا يدرك المحسوسات إلّا على خطوط مستقيمة ، والسمع يدركها من محيط الدائرة . وقال آخر : محسوسات البصر أكثرها جسمانيّة ، ومحسوسات السمع كلّها روحانية . وقال آخر : النفس بطريق السمع تنال خبر من هو غائب عنها بالمكان والزمان ، وبطريق البصر لا ينال إلّا ما كان حاضرا في الوقت . وقال آخر : السمع أدقّ تمييزا من البصر ، إذ كان يعرف بجودة الذوق الكلام الموزون ، والنغمات المتناسبة ، والفرق بين الصحيح والمنزحف ، والخروج من الإيقاع ، واستواء اللحن ، والبصر يخطئ في أكثر مدركاته ، فإنه ربما يرى